Subscribe:

Ads 468x60px

26 مايو، 2017

دعوة إلى التطبيع مع العرب

صحيفة السبيل الأردنيه السبت 1 رمضان 1438 27 مايو 2017
دعوة إلى التطبيع مع العرب – فهمي هويدي

الأسوأ من انفجار الموقف بين بعض الأشقاء في منطقة الخليج، ذلك الدور السلبي الذي قامت به وسائل الإعلام، وكان له إسهامه في تأجيج المشاعر وإثارة الفتنة.
 أما الأشد سوءا فإنه لم يعد في العالم العربي «كبير» يبادر إلى إطفاء الحريق وكبح جماح الانفعالات التي أفسدت أجواء الخليج وتناثر رذاذها في الفضاء العربي.

أعترف ابتداء بأنني لم أفهم لا سر الانفجار المفاجئ ولا أسباب التدهور السريع في علاقات الأشقاء.
ولم أقتنع بأن الوقائع ــ أو المزاعم ــ التي ذكرت كافية وحدها لإيصال الأمور فيما وصلت إليه، بحيث ظل العالم العربي خلال الأيام القليلة الماضية مسرحا لتجاذبات وتراشقات قدمت نموذجا محزنا لما يمكن أن نسميه «صراع الفضائيات»،
ورغم أنني شاهد لم يفهم شيئا من خلفيات الحاصل هذه الأيام في منطقة الخليج، فإنني لا أستطيع أن أكتم عدة ملاحظات أوجزها فيما يلي:

*
إن اختلاف السياسات والمواقف والأمزجة أمور طبيعية لا غضاضة فيها.
وليس بوسع أي طرف في المنطقة أن يطالب الآخرين بالتطابق معه في كل شيء،
لكنني أفهم أن ثمة حدودا للاختلاف، وأن هناك «مصالح عليا» يتعين التوافق عليها،
علما بأن التراشق العلني عبر وسائل الإعلام يحرج الجميع ويهتك الأواصر التي يعد الحفاظ عليها ضروريا لحماية تلك المصالح،
خصوصا أن ثمة قنوات دبلوماسية يعد احتواء الخلافات من وظائفها الأساسية.

*
ما أفهمه أنه حين تظهر في بعض النشرات الإعلامية تصريحات سيئة منسوبة إلى القيادة القطرية، ثم يتم نفيها وتعلن الدوحة أن موقع وكالة الأنباء الرسمية تعرض للقرصنة والاختراق الإلكتروني،
فالوضع الطبيعي أن يتم التحقيق في واقعة الاختراق على الفور للتثبت من حقيقة الأمر.

وفى ضوء ذلك التحقيق يتم التعامل مع النتيجة بما تستحق.
أما أن يتم تجاهل النفي وتصر بعض وسائل الإعلام على أنه لم يحدث رغم نفى «الواقعة» فذلك يعد استباقا محيرا يثير التساؤل ويبعث على الدهشة.

*
تتضاعف الحيرة حين نلاحظ أن القصف الإعلامي بدأ فور إذاعة التصريحات المسيئة،
ولم يكن القصف في شكل تسجيل للمواقف ورد للإساءات المفترضة،
ولكنه تم من خلال لقاءات استضافت آخرين وبرامج جرى بثها،

الأمر الذي لا يفسر إلا بأحد أمرين:
إما كفاءة خرافية في التحرك والإعداد،
أو ترتيب مسبق يسير إلى علاقة بين الطرف الذي قام بالاختراق وبين المنابر الإعلامية التي سارعت إلى استثماره.

*
في هذه الأجواء الساخنة، سارعت بعض أطراف الاشتباك الخليجي إلى حجب بعض المواقع الإخبارية،
وفوجئنا في مصر بحجب ٢١ موقعا بدعوى دعم الإرهاب والتطرف ونشر الأكاذيب.
 ولم يكن دخول مصر على الخط مقصورا على ذلك المجال وحده، لأن بعض القنوات التليفزيونية المصرية انخرطت في الاشتباك الخليجي، وشاركت في القصف، على نحو يثير الانتباه والدهشة.

*
ما جرى جاء دالا على أن ثمة تراكمات ورواسب غير مرئية تحتاج إلى تصفية واحتواء رشيد،
وللأسف فإن الساحة العربية تفتقد إلى من يقوم بذلك الدور.
وفى ظل انهيار النظام العربي فإن الجامعة العربية تحولت إلى كيان عاجز لا دور له، ولم يعد يذكر لأمينها العام أي إسهام في تسكين أو ترشيد الصراعات العربية.

ما جرى في الخليج هزيمة لنا جميعا، نحن الذين ظللنا نحلم بوحدة الأمة، واحتفينا بتشكيل مجلس التعاون الخليجي،
ورحبنا بالجسر الذي أقيم بين السعودية والبحرين،
وعلقنا آمالا كبيرة على مشروع الجسر بين قطر ودولة الإمارات ونظيره الذي كان يفترض إقامته بين قطر والبحرين.

ومن المخزي أن تتراجع فكرة الجسور بين دول الخليج، وأن تتكاثر الجدران ومعها الغيوم بين الأشقاء العرب.
ومن المفجع والمخزي أن تتقطع تلك الأواصر بمضي الوقت، في الوقت الذي نرى فيه جسورا تعد وأخرى أقيمت بالفعل بين بعض الدول الخليجية وإسرائيل.

إن ما يجرى بين الأشقاء في الخليج جزء من المحنة الكبرى التي يعيشها العالم العربي،
وليس أدل على عمق تلك المحنة من أننا صرنا نحتاج إلى «مرافعة» لكي ندافع عن «التطبيع» مع الدول العربية والإسلامية.

......................

25 مايو، 2017

خسر النظام وربح خالد

صحيفة السبيل الأردنيه الخميس 28 شعبان 1438 25 مايو 2017
خسر النظام وربح خالد – فهمي هويدي

الاحتجاز المفاجئ للأستاذ خالد على المحامي الذي قاد فريق الدفاع عن مصرية الجزيرتين في قسم الشرطة أدى إلى إطلاق عاصفة من الشائعات التي اتهمت السلطة وتعاطفت مع الرجل،
ذلك أن أحدا لم يصدق الادعاء بأن احتجازه بسبب بلاغ قدم ضده قبل أربعة أشهر اتهمه بارتكاب فعل فاضح في الطريق العام.
ثم إن احتجازه بذريعة العرض على مصلحة الأدلة الجنائية بدا ساذجا، لأن مبيته في قسم الشرطة لا علاقة له بتحقيق الأدلة.
ناهيك عن أن التحقيق معه كان باطلا لأن القانون يشترط إبلاغ نقابة المحامين قبل التحقيق مع أي محام وهو ما لم يتم.
كما أن المحقق رفض أن يطلعه على أوراق قضيته ومستندات اتهامه كي يعرف ما هو منسوب إليه.
اللافت للنظر أن الشائعات التي انطلقت جمع بينها أنها اعتبرت احتجازه إجراءً سياسيا عقابيا استخدم فيه القانون.

أول ما خطر على البال أن الأجهزة استهدفته لدوره في قضية بطلان اتفاقية تسليم الجزيرتين للسعودية، الذي قررته المحكمة الإدارية العليا. وهو ما أحرج السلطة وأزعجها.

 إذ في غياب أي تبرير موضوعي استحضر كثيرون ما جرى في تعديل قانون السلطة القضائية، الذي فهم أن المراد به حرمان المستشار يحيى الدكروري من حقه في رئاسة مجلس الدولة.. عقابا له على إصداره الحكم المذكور، واعتبروا أن معاقبة المحامي خطوة تالية على معاقبة القاضي.

آخرون قالوا إن احتجاز الأستاذ خالد أريد به إنذاره و«شد أذنه» بعدما نقلت عنه رغبته في خوض الانتخابات الرئاسية
ومن قرائن ذلك الإنذار أن أعدادا من مؤيديه وأعضاء حزبه «العيش والحرية» ألقي القبض عليهم خلال الأيام الأخيرة.

وللشائعة رواية أخرى ذهبت إلى أن معاقبته توجه رسالة تحذير أخرى إلى الفريق أحمد شفيق المقيم في الإمارات، الذي قيل إنه سيرشح نفسه أيضا للرئاسة،
 وحين سئل في ذلك فإنه ترك الباب مفتوحا وقال إن كل الخيارات واردة.

في رأي فريق آخر أن قضية «الفعل الفاضح» جرى استخراجها من الملفات وتحريكها للإيقاع بخالد علي عقابا له على مشاركته في ورشة عمل عقدت في روما خلال الأسبوع الماضي حول حقوق الإنسان والشراكة الأورومتوسطية.

وكان عدد من النشطاء المصريين المقيمين بالخارج بين حضورها (منهم الدكتور عمرو حمزاوي والأستاذ بهي الدين حسن).
 أيد هذا الظن أن مصر اهتمت بالاجتماع، نظرا لحساسية الموضوع وضعف موقفها إزاءه، فتم تصوير المشاركين فيه
وتولت الأبواق الأمنية تصويره باعتباره «اجتماعا سريا»(!)
ونشر في مصر أن الهدف منه إثارة الفوضى وزعزعة الاستقرار في أجواء الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الخلاصة أن الدولة المصرية كانت الخاسرة فيما جرى، وأن خالد علي كان رابحا.
 إذ خسرت مصر حين بدت مهتزة وضعيفة وغير واثقة في مواجهة محام وطني يحظى بالاحترام.

وكان ذلك على حساب سمعتها، ورصيد احترامها للقانون الذي صار يتآكل حينا بعد حين.

ومن المفارقات أن ذلك حدث في حين يوهم الرأي العام بأن الدولة استعادت قوتها وهيبتها.

في الوقت ذاته فإن ما أقدمت عليه السلطة رفع من رصيد شعبيته وقدمه باعتباره الرجل الذي يخشى بأسه، لأنه يؤرق النظام وينازل قيادته وينافسها.
حتى أزعم أن هذه السياسة التي تتبع مع خالد علي تشكل أكبر دعاية له إذا ما قرر خوض الانتخابات الرئاسية.

ولا أستبعد في هذه الحالة أن يعترف بالفضل للذين يكيدون له ويستحضرونه بين الحين والآخر في وسائل الإعلام وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، فيوجه إليهم رسالة يقول فيها:
 أشكركم على حسن تعاونكم!
........................


23 مايو، 2017

شكوك في مسألة التحالف

صحيفة السبيل الأردنيه الأربعاء 27 شعبان 1438 24 مايو 2017
شكوك في مسألة التحالف – فهمي هويدي

حين ينشغل بعض العرب عن إطلاق فكرة التحالف الإسلامي الأمريكي بالحديث عن انكشاف شعر السيدة ميلانيا قرينة الرئيس ترامب، أو نفاد «موديل» فستان ابنته إيفانكا من الأسواق، فمعنى ذلك أن خللا فادحا في الإدراك قد حدث. وأن العبث في المشهد ذهب إلى أبعد مدى.

وإذ تذهلنا المفارقة، فإنني قد أعذر الذين تورطوا في العبث.
 إذ اعتبرهم ضحايا الإعلام غير المسؤول الذي ما برح يهلل لما جري ويعتبره انتصارا سياسيا باهرا يصوب العوج ويشد الأزر ويوجه رسالة الردع للخصوم والأعادي.

إن شئنا الدقة فينبغي أن نعترف بأن فكرة التحالف مع الولايات المتحدة ليست جديدة؛ لأن العالم العربي دخل في العصر الأمريكي بدرجات متفاوتة منذ عدة سنوات،
 حتى أن فكرة أحلافه الدول الكبري التي جرى رفضها والتظاهر ضدها منذ الخمسينيات ــ في مصر على الأقل ــ تحولت إلى طموح لبعض الأنظمة.
وعرس تقام لإتمامه السرادقات والمهرجانات، وتنصب له الأفراح التي تحيي الليالي الملاح،

إذ في ظل انهيار النظام العربي، وفقدان الأمة للقيادة الرشيدة والبوصلة الهادية، حدث الانقلاب الذي في ظله أصبح الالتحاق بركب الدول الكبري فضيلة ومغنما يسعى إليه كثيرون.
وكان انتشار القواعد العسكرية وما يسمى بالتسهيلات المقدمة لجيوش الدول الكبري من قرائن ذلك الانبطاح وشواهده.

إذا سألتني ما هو الجديد إذن، فردي أنه يتمثل في خمسة أمور.

الأول أن ما كان «عرفيا» مستورا ومسكوتا عليه صار «شرعيا» ومعلنا على الملأ.

 الثاني أن التحالف قدم بحسبانه تعبيرا عن إرادة الأمة العربية والعالم الإسلامي.

 الثالث أنه لم يوظف لصالح صراعات الدول الكبرى، وإنما جرى تأسيس التحالف لحسم الصراع في المنطقة، ضد إيران من ناحية وضد تنظيمي داعش والقاعدة من ناحية ثانية.

الأمر الرابع أنه يفتح الباب لانضمام إسرائيل إليه بدعوى مواجهة ما سمي بـ«الخطر المشترك» الذي يهدد دول المنطقة.

 الأمر الخامس أنه يكرس تراجع أولوية القضية الفلسطينية وترشيح إيران كي تحتل موقع الخطر الأكبر والعدو الأول.
وهو المصطلح الذي استخدمه بعض القادة العرب الذين لم يجرؤ أحد منهم على ذكر اسم فلسطين، التي هي أولي وأكبر ضحايا الإرهاب الإسرائيلي ــ في حين جري التنويه أكثر من مرة إلى أن إيران هي «رأس الحربة» الداعم للإرهاب.

تلح علي النقطة الأخيرة طول الوقت. ولست أخفي أن لدي شكوكا قوية في أن فكرة التحالف الذي وصف زورا بأنه إسلامي، ما كان لها أن تحظي بالرعاية الأمريكية إلا إذا كانت تمهيدا لانضمام إسرائيل إليه،

 الأمر الذي يحقق لها ثلاثة أهداف تلح عليها وتتوخاها طول الوقت.
الأول الانتقال إلى التطبيع العلني مع الدول العربية والإسلامية،
والثاني تكثيف الضغط علي إيران بما يضعفها ويعرقل مشروعها النووي،
والثالث تجاوز القضية الفلسطينية واعتبارها شأنا محليا بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

إذا جاز لي أن أذهب إلي أبعد في المصارحة والإفصاح عن الشكوك التي تراودني، فإنني أكاد أزعم بأن فرقعة التحالف الإسلامي الأمريكي لمواجهة الإرهاب ليست مأخوذة على محمل الجد.
 لكنها في عمقها بمثابة قنبلة دخان أطلقت في الفضاء العربي كي تغطي خطوات الصفقة التاريخية التي تبدأ بالتطبيع وجاء الرئيس الأمريكي لإبرامها.
ولا تنس أنه أعلن أكثر من مرة أن القادة العرب الذين التقاهم رحبوا بها.

أكرر أنني أتحدث عن شكوك أتمنى أن تكذبها الأيام المقبلة.
وإلى أن ينجلي الأمر فإنني لا أمل من الهتاف وبالدعاء:
يا خفي الألطاف نجنا مما نكره ونخاف.

.......................

22 مايو، 2017

أيكون التطبيع جوهر الصفقة التاريخية؟ – المقال الأسبوعي

صحيفة الشروق الجديد المصريه الثلاثاء 26 شعبان 1438 23 مايو 2017
أيكون التطبيع جوهر الصفقة التاريخية؟ - فهمي هويدي – المقال الأسبوعي

زيارة الرئيس الأمريكى للسعودية تقلقنا ولا تطمئننا، وأخشى أن تكون تمهيدا لتوريطنا بالتطبيع المشئوم فيما يفجعنا ويصدمنا.

(1)

قبل ٢٤ ساعة من وصول الرئيس ترامب إلى الرياض (يوم ٢٠/٥) نشرت صحيفة «الواشنطن بوست» تقريرا سجلت فيه مواقف الرجل ورأيه فى الإسلام والمسلمين والسعودية ومنطقة الخليج منذ شهر مارس عام ٢٠١١ حتى منتصف شهر مايو الحالى (٢٠١٧).

وكانت أهم خلاصة للتقرير أن الرجل لا يخفى كراهيته للإسلام والمسلمين واحتقاره للخليجيين الذين يعتبرهم عالة على الولايات المتحدة،
وكان عنوان التقرير مقتبسا من مقولة اشتهرت للرئيس الأمريكى، أعلن فيها: «إن الإسلام يكرهنا»،

وجاءت قراراته وتصريحاته اللاحقة لتؤكد ليس فقط أن الإسلام دين خطر على العالم،
ولكن أيضا أن المسلمين أشرار ومساجدهم فى الولايات المتحدة ــ وفى فرنسا لاحقا ــ يجب أن تراقب ويفضل أن تغلق،
 أما المسلمون الأمريكيون فينبغى أن تصدر لهم بطاقات هوية خاصة.

وهو الخطاب الذى أيقظ مشاعر الكراهية لدى بعض الأوساط، وأدى إلى ارتفاع معدلات جرائم الكراهية والتمييز فى الولايات المتحدة.

ولم يكذب الرجل خبرا. لأنه ما إن تولى منصبه رسميا حتى أصدر قراره الشهير بمنع دخول مواطنى ٧ دول إسلامية إلى الولايات المتحدة (صاروا ستة لاحقا).
إلا أن القضاء الأمريكى تصدى له فى هذه الخطوة التى اعتبرت انتهاكا للدستور، لكنه لا يزال يجاهد لتفعيله وتقييد دخول المسلمين إلى بلاده.

لم يكن ذلك موقف الرجل وحده، لكنه أيضا كان موقف فريقه ومساعديه.
وفى الشهادة التى سجلها خبير الشئون الأمريكية الأستاذ محمد المنشاوى المقيم فى الولايات المتحدة تفصيلات مهمة فى هذا المعنى،

منها مثلا أن مستشاره للأمن القومى مايكل فلين (الذى اضطر للاستقالة لاحقا) وصف الدين الإسلامى بأنه أيديولوجية سياسية تختبئ وراء الفكرة القائلة أنه معتقد دينى، كما شبهه بأنه «سرطان خبيث».
وكتب أن الخوف من المسلمين خوف منطقى.

 أما مستشاره الاستراتيجى الأبرز ستيفين بانون فقد وصف الإسلام بأنه «أكثر ديانات العالم تطرفا»،
وحذر من أن المسلمين يشكلون «طابورا خامسا» فى الولايات المتحدة،

 ثم تجرأ ترامب وقام بتعيين سيباستيان جوركا مستشارا لشئون مكافحة الإرهاب.
وهو الرجل الذى قال إن الأمر ليس نقاشا حول الإسلام وعما إذا كان دينا أم لا. لأنه يتعلق بالإرهاب الإسلامى المتطرف، وينبغى أن نكون صريحين فى مواجهة التهديد الذى يشكله هذا الإسلام، وألا نتجاهله كما فعلت إدارة أوباما

ولم يكن غريبا والأمر كذلك أن يصطحب الرئيس ترامب معه فى رحلته إلى السعودية المطرب تونى كيث الذى قدم بعض أغانيه فى الرياض.
وهو من سبق له أن كتب أغنية تمنى فيها أن تقصف الأماكن المقدسة فى مكة، وأن «يهرب الناس منها كالأرانب».

فى تقييمها للرئيس ترامب وصفته صحيفة «دير شبيجل» الألمانية فى مقال افتتاحى يوم ١٩/٥ بأنه «رجل بلا قيم، وأنه كذوب وعنصرى وغشاش»، كما اعتبرته «خطرا على العالم» المعاصر.
وهى العبارات التى تذكرتها حين سمعته يتحدث عن الإسلام فى خطاب أمام ممثلى العالم الإسلامى بالرياض يوم الأحد الماضى ٢١/٥. بأنه «من أعظم الديانات فى العالم»

وهذه المفارقة التى رصدتها الصحف الأمريكية والبريطانية، واعتبرتها دليلا إضافيا يؤكد أن الرجل لا أمان له،
وأنه يمكن أن يغير مواقفه ومبادئه فى أى لحظة بمعدل ١٨٠ درجة إذا وجد فى ذلك مصلحة له.

(2)

ذلك التحول فى تعبير الرجل ومشاعره يمكن فهمه إذا أدركنا أنه وقع اتفاقات مع السعودية بقيمة ٤٥٠ مليار دولار.
وأن المؤسسة التى أنشأتها ابنته التى قدمت معه حصلت على مساهمة أو تبرع بقيمة مائة مليون دولار،
 ذلك غير العقود التى أبرمتها الشركات الأمريكية التى قدرت بعشرات الملايين الأخرى من الدولارات
وهى أرقام فلكية تبرر وصف الزيارة حقا بأنها «تاريخية» وترشحها لأن تصبح عنوانا مهما فى ملف «صفقة القرن».

لم يكن ذلك هو الإنجاز الوحيد، وان ظل الأهم من وجهة النظر الأمريكية لأنه حقق فيما هو معلن. إنجازا سياسيا آخر، بمقتضاه تم حشد الدول السنية فى تحالف عسكرى رمزى بالدرجة الأولى لمواجهة إيران الشيعية،
 إلى جانب التصدى لأنشطة تنظيمى داعش والقاعدة فى سياق مقاومة الإرهاب مع التوصية بتوفير قوة احتياط قوامها ٣٤ ألف جندى لذلك الغرض.
وهى الخطوة التى وصفت بأنها بمثابة إعلان نوايا لتأسيس «تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجى فى مدينة الرياض».

هذه «اللقطة» تم إخراجها من خلال عقد اجتماع وصف بأنه «قمة أمريكية عربية إسلامية». حضره ممثلون عن ٥٥ دولة، وتحدث إليه الرئيس الأمريكى بلغة انفتاحية متصالحة مع الدول الإسلامية المشاركة، تبنى خلالها الدعوة إلى التشدد فى مواجهة الإرهاب، والسعى إلى إحلال السلام والاستقرار فى المنطقة.

وصف القمة المذكورة كان مبالغا فيه.
وقد أعفانى الدكتور إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية من نقده، إذ إنه ذكر فى تحليله أن المنهج الذى اتبع فى إقامة التحالف الجديد وفى مضمونه «فاسد»،
معتبرا أن البناء الأمنى الإقليمى الذى يحقق الأمن والسلم لأطرافه، لابد أن يشترك فيه كل من يقع فى إقليم ما،
فى حين أن استبعاد دولة واقعة فى الإقليم (مثل إيران) يقوض ذلك البناء،
ناهيك عن أن ترتيب إقامة التحالف فى جلسة لممثلى الدول الإسلامية تستغرق ساعات معدودة، يشكك فى جدية الفكرة وجدواها.

لاتزال المعلومات عن زيارة الرئيس الأمريكى للرياض ناقصة.
وإذا كانت شخصية الرجل وتقلباته تدهشنا وتقلقنا، كما يفاجئنا حجم الصفقات المالية والاقتصادية المهولة التى عقدها رغم ضعف موقفه فى الداخل وبدء الحديث عن احتمالات عزله من منصبه،
فأغلب الظن أننا سننتظر بعض الوقت لكى نعرف من الصحافة الإسرائيلية ما لم يعلن عنه فى الرياض، وما تم إنجازه فى تل أبيب.

(3)

عشية زيارة الرئيس الأمريكى لإسرائيل (مساء الأحد ٢١/٥) صادق المجلس الوزارى السياسى والأمنى الإسرائيلى على بعض التسهيلات للفلسطينيين، منها مثلا تسهيلات على المعابر بين الضفة وإسرائيل
 ــ والمصادقة على توسيع المنطقة الصناعية فى «ترقوميا» جنوب الخليل،
 ومنح تراخيص لآلاف وحدات الإسكان الفلسطينية فى مناطق محددة بالمنطقة (جـ) والمتاخمة للمدن الفلسطينية،

وذكرت صحيفة هاآرتس فى عددها الصادر أمس (الإثنين ٢٢/٥) أن التسهيلات لها علاقة بزيارة الرئيس ترامب.

التسهيلات الإسرائيلية للفلسطينيين ليست سوى رسالة أريد بها الترحيب بالرئيس الأمريكى والإيحاء بحسن النوايا الذى ينتظر المقابل بما يمهد الطريق أمام الصفقة المرجوة.
غير أن سفيره الجديد لدى إسرائيل ديفيد فريدمان فى أول حديث أجرى معه بعد تقديم أوراق اعتماده حرص على أن يبلغ الجميع بأن إسرائيل «ليست مطالبة بتقديم أية تنازلات» للفلسطينيين.

وقال فى الحوار الذى نشرته له فى ١٧/٥ صحيفة «يسرائيل هيوم» ــ أوسع الصحف الإسرائيلية انتشارا ــ أنه ليس واردا لدى إدارة ترامب اتخاذ أية مواقف يمكن أن تتعارض مع مخططات الحكومة العبرية، خصوصا فى مسألة تجميد المستوطنات.
ليس ذلك فحسب وإنما أكد الرجل على أن ترامب الذى سيكون خطابه فى إسرائيل «إيجابيا جدا»، لن يسمح بأن تمارس أية ضغوط على إسرائيل فى أية عملية تفاوضية مستقبلية»،
وأن المفاوضات إذا جرت بين الطرفين ستتم بدون أية شروط مسبقة.

للعلم فإن السفير فريدمان الذى اختار ترامب أن يمثله لدى إسرائيل كان يرأس جمعية أمريكية يهودية متخصصة فى جمع التبرعات للمستوطنات اليهودية فى الضفة الغربية.
وقد بدأ عمله كسفير بالتوجه إلى حائط البراق الذى يسمونه حائط المبكى، وقد اعتمر القبعة الدينية التى يستخدمها المتدينون الصهاينة،

وذكرت صحيفة «معاريف» أن نتنياهو سأله عن سبب اختياره الحائط ليكون أول مكان يزوره بعد تولى مهام عمله فرد فريدمان قائلا: لم أكن لأشرع فى مهمتى قبل التوجه لذلك المكان.

استطرادا، وبالمناسبة ذكرت صحيفة هاآرتس أن إيفانكا ابنة الرئيس ترامب وزوجها اليهودى قدما تبرعات مالية سخية لجمعية إسرائيلية تدعو إلى تدمير المسجد الأقصى.

(4)

حتى تاريخه، لا نكاد نصادق حديثا واضحا عن «صفقة العصر» التى تردد الحديث عنها فى الأوساط السياسية، لكننا نفهم أنها تتعلق بتسوية الصراع وإغلاق ملفه،
وقيل فى صددها أن العالم العربى بات مستعدا لذلك وأن هناك إشارات فى إسرائيل تشجع عليه، وجرى التلويح فى هذا السياق بمبادرة السلام العربية التى اعتمدتها قمة بيروت عام ٢٠٠٢ وتحدثت عن التطبيع العربى الكامل مقابل الانسحاب الإسرائيلى الكامل.

ثم صدرت إشارات تحدثت عن تطبيع إقليمى عربى يمهد لحلحلة القضية ويسهل عملية إغلاق الملف،
وقيل أن دولتين خليجيتين (السعودية والإمارات) تتبينان ذلك الحل تؤيدها دولتان مشرقيتان (مصر والأردن).

لكن التلميحات والتسريبات التى انتشرت قبل قدوم الرئيس ترامب للمنطقة تراجعت حينما وصل الرجل إلى الرياض.
الأمر الذى أعطى انطباعا بأن حديث التسوية تم فى اللقاءات الخاصة وأن ثمار «صفقة القرن» لم تنضج بعد.

أثار الانتباه فى هذا الصدد أن صحفيا إسرائيليا بارزا هو أودى سيغل ــ معلق الشئون السياسية فى قناة التلفزة الثانية ــ قال إن ترامب سيطالب الحكام العرب بتوفير الظروف المناسبة لتحقيق صفقة العصر.
وأضاف فى التعليق الذى جرى بثه مساء الجمعة ١٩/٥ ضمن برنامج «استوديو الجمعة» أن القادة العرب سيكونون مطالبين باتخاذ «خطوات تطبيعية كبيرة تجاه إسرائيل» لإنجاز الصفقة،

 وحسب تعبيره فإن «المعلومات المتوفرة لدى إسرائيل تؤكد أن ترامب سيقول للحكام العرب إن عليهم السماح بتسيير خطوط جوية بين تل أبيب والعواصم العربية،
 كما أن عليهم أن يرفعوا الحظر على سفر الإسرائيليين للدول العربية، إلى جانب السماح بمشاركة الفرق الرياضية والفنية الإسرائيلية فى الفعاليات الدولية والإقليمية التى تنظم فى الدول العربية.

لا أستطيع أن أعول على هذا الكلام، لكننى أستريب فى الصمت الذى فرض على موضوع التطبيع الذى أفهم أنه الهدف الرئيسى للزيارة،
وبغير التطرق إليه فإن الصفقة التاريخية ستصبح بغير معنى أو مضمون.

وكنت فى مقام سابق قد ذكرت أن الزيارة إذا كانت صفقة لإسرائيل فإنها ستكون صفعة للعرب.
ولازلت عند رأيى لم أغيره.

.....................

21 مايو، 2017

كحلها فأعماها!

صحيفة السبيل الأردنيه الاثنين 25 شعبان 1438 22 مايو 2017
كحلها فأعماها! – فهمي هويدي

حين قرأت أن الأجهزة الأمنية تفتش عن السيد حبيب العادلي في غرف العناية المركزة بالمستشفيات، خطر لي على الفور التعبير الشائع الذي يتحدث عمن حاول أن يكحلها فأعماها.

ذلك أن فكرة هروب وزير الداخلية المصري السابق بعد الحكم بسجنه سبع سنوات في قضية الفساد المالي لم تكن مقنعة للرأي العام.
إذ لم يخطر على بال أحد أن يتعذر ذلك على أجهزة الداخلية بما يتوافر لها من إمكانيات هائلة في المراقبة والتنصت والملاحقة.
ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن «رجاله» في الداخلية هم الذين روجوا لقصة هروبه لتبرير عدم تنفيذ الحكم عليه، انتظارا لقرار محكمة النقض في الاستئناف الذي قدمه محاميه.

 أيد هذا الشك أن العملية لها سوابق، ورعاية الأجهزة الأمنية لأركان النظام السابق الذين صدرت ضدهم أحكام نهاية بالسجن باتت أمرا معلوما ومسكوتا عليه.

إزاء عدم تصديق الرأي العام قصة هروب العادلي، حين نشر خبرها لأول مرة في الأسبوع الماضي، فإن أجهزة الداخلية حاولت أن تصحح الصورة وتبعد عن نفسها شبهة التقصير أو التواطؤ التي لاحقتها.

وحين حاولت أن «تكحلها» فإنها سربت معلومات نشرتها جريدة «الشروق» يوم السبت ٢٠/٥ جاء فيها ما يلي:

قالت مصادر أمنية مطلعة إن إدارة تنفيذ الأحكام في وزارة الداخلية نفذت خلال الساعات الماضية عدة مأموريات للقبض على الوزير الهارب، شملت فحص عدد من غرف العناية المركزة في المستشفيات الاستثمارية والخاصة، لاحتمال وجوده بها.
فضلا عن مأموريات أخرى (قامت بالبحث عنه) حول منزله في ضاحية ٦ أكتوبر، والأماكن التي يتردد عليها، وفحص شبكات المحمول لتعقبه عن طريق الهاتف.

الغريب في الأمر أن الفقرة التالية من الخبر المنشور ذكرت ما نصه:
أضافت المصادر أنه في المقابل يمارس وزير الداخلية الأسبق حياته الطبيعية مع أسرته وأصدقائه، كما يتردد على إحدى المستشفيات الاستثمارية بدعوى العلاج..
وأكدت أنه واصل لقاء محاميه أكثر من مرة في الأسبوع الماضي للتوصل إلى أقرب طريقة للتعجيل بعقد جلسة نقض الحكم، لتحديد موقفه النهائي.
لافتة إلى أن الحراسة المكلفة بمراقبة منزله من قبل وزارة الداخلية لا تزال موجودة في «فيللته».

في الجزء الأخير من الخبر أن العادلي سيظهر خلال جلسة النقض على الحكم.
وهو يعمل حاليا على جمع أكبر عدد من المستندات التي تدعم موقفه بخصوص بنود الصرف أثناء توليه منصبه،
لذلك فإنه يتواصل ومحاميه مع ضباط في الوزارة لاستعادة نسخ إلكترونية من الأوراق التي تم تدميرها خلال حريق مبنى إدارة الحسابات بالوزارة.

هذه «الإيضاحات» أكدت أن الرجل ليس هاربا، كما أنه ليس مريضا، وأن حكاية البحث عنه في غرف العناية المركزة كانت أكذوبة،
كما أن تتبع اتصالاته الهاتفية وفحص شبكات المحمول للتعرف على مكانه ليس سوى شائعة لا أساس لها،
وكان ذلك «الإيضاح» كافيا لإثبات أن الرجل في «الحفظ والصون» تحت رعاية الشرطة التي تخفيه حتى يظهر في جلسة النقض.

ما يهمني في الفيلم ليس وقائعه، وإنما تدني مستوى قصته الذي أستغربه بشدة،
خصوصا أننا نعلم أن للداخلية خبرة طويلة في الموضوع ترشحها لأداء أفضل بكثير مما تابعناه،

ولو أن القصة أساءت إلى الداخلية وحدها لهان الأمر ولضممناها إلى جملة ما يصدر عنها من روايات مفتعلة وقصص مرتبكة وملفقة،
إنما الأخطر من ذلك أنها تهدم فكرة دولة القانون وتعيد إلى الأذهان فكرة «شبه الدولة» التي أشير إليها في مناسبات عدة،
قيل لنا فيها إننا تجاوزناها واستعدنا للدولة هيبتها وللقانون احترامه.

إذ اكتشفنا في ثنايا القصة أن ذلك كله كان كلام «جرايد»، يطلق في المناسبات لدغدغة المشاعر ثم ينسى بعد ذلك لتعود «ريمة إلى عادتها القديمة». بحيث نظل في القاع الذي وصلنا إليه ولم نغادره.

................................................

20 مايو، 2017

درس للرئيس ترامب

صحيفة الشروق الجديد المصريه الأحد 24 شعبان 1438 21 مايو 2017
درس للرئيس ترامب – فهمي هويدي

الخبر أن أحد رؤساء أجهزة السلطة قرر أن يلقن رئيس الجمهورية درسا، وينبهه إلى أنه يخدم القانون والمجتمع ولا يخدم الرئيس.
وقبل أن يلتبس الأمر على أحد وتذهب به الظنون بعيدا، فإننى أطمئن الجميع إلى أن «المعجزة» حدثت فى الولايات المتحدة وأن طرفيها هما جيمس كومى رئيس المباحث الفيدرالية، الذى هو بطل القصة، أما الثانى فهو الرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

والقصة روتها صحيفة «نيويورك تايمز» التى نشرت يوم ١٦ مايو الحالى تقريرا أشار إلى الدرس الذى لقنه كومى للرئيس ترامب قبل أن يعزله الأخير من منصبه، ليصبح قرار الرئيس نقطة سوداء فى سجل المآخذ التى يحاسب عليها الآن.

خلاصة القصة كالتالى:

بحكم موقعه فإن السيد كومى كان يعرف الكثير عن ترامب، وأراد أن يعرفه حدود وتقاليد التعامل معه خصوصا أنه قادم من خارج السياسة والإدارة.
لذلك حرص على أن ينبهه إلى أن ثمة مسافة يتعين الحفاظ عليها بين البيت الأبيض والمباحث الفيدرالية،
وبالتالى فليس للرئيس أن يتدخل فى عمل المباحث الذى هو مستقل تماما.
 وليس لفريقه أن يتدخل فى التحقيقات التى يجريها أو أن يتابع تفصيلاتها

ــ وإذا كان ذلك ضروريا فليس للرئاسة أن تخاطب المباحث الفيدرالية مباشرة، وإنما يتعين عليها أن تقدم طلبا رسميا بما تريد إلى وزارة العدل، وهى التى توجهه إلى رئيس المباحث الفيدرالية،
وعلى الأخير أو نائبه أن يفحصها جيدا قبل أن يرد على طلب البيت الأبيض بما يراه مناسبا.

ذكرت الصحيفة فى تقريرها أن ترامب أراد أن يقيم علاقة شخصية مع كومى، وطلب منه أن ينضم إلى فريقه الذى يدين له بالولاء،
لكن الرجل حرص طول الوقت على أن تظل العلاقة فى إطارها الرسمى وليس الشخصى، لتظل المسافة قائمة بين البيت الأبيض والمباحث الفيدرالية، بحيث يتحرك كل طرف فى مجاله دون اتصال أو مساس بالآخر.

فى هذا السياق روت الصحيفة قصة اللقاء بين الرجلين بعد تنصيب ترامب رسميا رئيسا للولايات المتحدة.
 ذلك أن الرئيس أقام حفلا لممثلى الأجهزة الأمنية الذين أشرفوا على ترتيب أمر حفل التنصيب. وكان جيمس كومى بينهم.

وجد الرجل نفسه مضطرا لحضور الحفل، إلا أنه وقف بعيدا كى يحتفظ بالمسافة بينه وبين الرئيس، بل وحاول أن يختبئ وراء إحدى الستائر فى القاعة.
ولأن قامته طويلة بأكثر مما ينبغى (طوله متران و٣ سنتيمتر) فقد لمحه ترامب ودعاه كى يصافحه فلم يجد مفرا من التوجه إليه.

ولأن اللقاء كان مثيرا للانتباه. فإن الصحيفة أرفقت تسجيلا مصورا له، ظهر فيه كومى وهو يمد يده الطويلة لكى يصافح الرئيس، ولكن الأخير جذبه نحوه لكى يحتضنه، فاضطر لأن يقبله على وجنته ثم يعود إلى مكانه مسرعا.

ولم يفوت الرجل المشهد، لأنه ما إن غادر الحفل وركب سيارته حتى دون تفاصيل ما جرى فيه وانطباعاته عنه.
ثم سلم ما دونه إلى أحد مساعديه لتحتفظ المباحث الفيدرالية بسجل لما جرى.
خصوصا أنه اعتاد أن يسجل على الورق تفصيليا كل اتصالات الرئيس ترامب معه.

وهذه الأوراق التى احتفظت بها المباحث الفيدرالية، محل تحقيق الآن ضمن الجهد الذى يبذل لتقييم أداء الرئيس الأمريكى.

(فى أحد تلك الاتصالات طلب ترامب من جيمس كومى وقف التحقيقات التى تجريها المباحث الفيدرالية مع مايكل فلين مستشاره للأمن القومى (الذى أقيل لاحقا)، وهو ما لم يستجب له الرجل بطبيعة الحال).

الحديث الذى نحن بصدده ليس نموذجا للفصل بين السلطات الذى بات أمرا مفروغا منه، ولكنه نموذج لاحترام القانون والفصل بين الاختصاصات داخل السلطة الواحدة.
وهو ما يبتعد بمسافة ضوئية عن الواقع العربى الذى نعيشه بحيث صار الفصل بين السلطات فيه حلما بعيد المنال وتم اختزال الدولة فى شخص الزعيم، بحيث ما عادت لدينا مؤسسات مستقلة، بل ولا أوطان مستقلة فى حالات عديدة.

.......................

Delete this element to display blogger navbar